image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

إبادة الأطفال في غزة.. إستراتيجية أم عقيدة ؟

كل الحروب قذرة، لكن الحروب التي تستهدف الأطفال عمداً بالرصاص والقنابل وحليب الرُّضَّع والغذاء والدواء، كما تجسّده حرب الكيان الغاصب في فلسطين، يجب أن تنبّه العالم بأن المستهدف ليس حاضر هذا الشعب وإنما مستقبله، فالأطفال هم مستقبل أي أمة واستهدافهم هو استهداف لمستقبل أي أمة، بالتصفية الجسدية والتجويع والمصابين وتدمير المشفيات والمدارس ونقص التغذية لجيل أو لأجيال بسبب التجويع والترويع، بجانب كل ما تكشفه إستراتيجية إبادة الأطفال من أصالة السلوك الإجرامي لهذا الكيان والحقد المتجذّر في عقيدته وسلوكه وفقره الشديد للأخلاق والإنسانية واحترام مبادئ القانون الدولي والاتفاقات الدولية التي تنص جميعها على قدسية حياة الأطفال والمدنيين عموماً.

لقد شاهد العالم وعاش إبادة جماعية للأطفال والنساء في الحرب المعلنة على غزة والحرب الخفية على الضفة الغربية في فلسطين، والتي يشنها الكيان الغاصب في فلسطين ومن وراءه ومعه عسكرياً وسياسياً وإعلامياً المعسكر الغربي -الأطلسي.



إن إستراتيجية إبادة الأطفال التي يتبناها وينفذها الكيان الغاصب في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني بالشراكة والتمويل الأمريكي والبريطاني والمعسكر الأطلسي عموماً، تتطلب من الإستراتيجيين الوقوف أمام هذه الإستراتيجية وتقييمها من زاوية العقيدة الإجرامية التي يتبناها هذا الكيان ومؤيدوه وشركاؤه في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

من الصعب تصنيف الإبادة التي يقوم بها الكيان الغاصب في فلسطين ضد الأطفال والنساء على أنها حرب عابرة أو طارئة فرضتها تجاوزات قواعد الاشتباك والإخلال بموازين القوى أو هجمة هنا أو غارة هناك كما يجادل البعض، وإنما قتل آلاف الأطفال والنساء بهذه الطريقة الإستراتيجية الممنهجة إنما هو واحدة من أدوات القضاء على مستقبل الشعب. فإبادة الأطفال التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في هذه الحرب لا تختلف البتة عن إبادة أطفال العراق على يد الأمريكي والبريطاني، فالاثنان بالمناسبة شريكان مخلصان لعقيدة الكيان الغاصب في فلسطين في حربه الطاحنة وإبادته لأطفال غزة والضفة الغربية والقدس والبلدات العربية في فلسطين التاريخية منذ عقود وليس من السابع من أكتوبر.

لقد سمع العالم كثيراً عن الأخطار والمخاطر التي تهدد الأطفال وتتهدد الطفولة في العديد من مناطق العالم من فقر وأميّة ومجاعات وأمراض وأنواع الاستغلال والسخرة وظواهر مثل أطفال الشوارع وعمالة الأطفال وتجارة البشر وغزو المخدرات سواء نتيجة غير مباشرة للكوارث والحروب أو نتيجة مباشرة للاستغلال من قبل الاستعمار الغربي للدول والشعوب التي وقعت تحت يد الاستعمار الغربي لعقود من الزمن.

لكن العالم ربما لم يسمع ولم يرَ إبادةً جماعية مثل الإبادة التي يتعرض لها الأطفال والمدنيون في غزة وسائر أطفال فلسطين على يد الكيان الغاصب وشركاه الحصريين.



لقد أثبت الكيان الغاصب لفلسطين أنه قادر على أن يشل كل المؤسسات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة للطفولة والأنروا ومنظمة الصحة العالمية، وأثبت، بما لا يدع مجالاً للشك أو الوهم، أنه لا يقيم وزناً أو اعتباراً للإنسان: طفلاً كان أو شيخاً أو أماً أو صحافياً أو فريق إغاثة أو طاقماً طبياً، بشراكة وتمويل أمريكا وبريطانيا وألمانيا ومن دار في فلكهم من الأوروبيين.

على العالم أن يعمل كل ما في وسعه لتحجيم هذا الكيان قبل فوات الأوان وإلا سيدفع العالم كله ثمناً باهظاً لاستفحال هذا الورم وهذه الظاهرة الإجرامية المشبَعة بالحقد والكراهية والضغينة ضد البشرية والمتورمة بالغطرسة والتعالي والتشاوف. عاجلاً أو آجلاً سيدفع العالم كلفةً عاليةً بما فيها بريطانيا وأمريكا وألمانيا وغيرها من الشركاء الحصريين الإستراتيجيين أو العقائديين إذا لم تستبق هيمنته على العالم من خلال أدواته في العواصم الغربية.

هذا كيان مشبع باحتقاره لدول العالم وشعوبه، وما حروبه ضد غزة وضد الفلسطينيين وضد العرب عموماً إلا محطات مرحلية لحروبه القادمة التي يخطط لها ويعمل عليها ضد دول وشعوب العالم، إذا لم يتم لجمه وتحجيمه أو تصفيته من قبل دول العالم التي تؤمن بالسلام، فالخشية ليست من جيشه الهزيل والذي تعرى في حربه على غزة، إنما الخشية أن يتم تمكينه من أسلحة دمار شامل من قبل المنافقين في واشنطن وبعض العواصم الغربية. فهذا الكيان الذي استخدم كل ما بيده من أسلحة ضد شعب مدني أعزل، لن يتردد أن يلقي قنبلة نووية على أي دولة في العالم، وقد صرح بذلك أحد وزرائه حين هدد برمي قنبلة نووية على غزة.

هذا كيان يحمل حقداً وكراهيةً وضغينةً ضد البشرية، كيان متغطرس ولديه إستراتيجية مبنية على عقيدة إجرامية سوف ترتد عاجلاً أو آجلاً حتى على الغربيين والأمريكيين فالتاريخ يعيد نفسه. هذا كيان يؤمن بنقاء العرق لهذا الكيان ولديه تجربة في إفساد النخب السياسية وشراء ذممها وترويضها وابتزازها وهذه ممارسات لا يمكن الاستهانة بها والتقليل من مخاطرها على البشرية.

أخيراً، أتمنى لكم جميعاً عيداً سعيداً بمناسبة عيد الفطر المبارك، وكل عام وأنتم وكل أطفال العالم بأمن وسلام وطمأنينة.


مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق